للاستاذ الدكتور عامر سعيد الخيكاني
العراق / كلية التربية البدنية وعلوم الرياضة – جامعة بابل
AL-khigani @ yahoo . com
يتداول أناس كثيرون مفردة الانفعال يومياً فيذكرون : إن فلاناً منفعل دائماً وفلاناً لاينفعل بسهولة ، فهم يتداولونها بشكلها السلبي فقط المعبر عن حالات الغضب والصراخ والهيجان وحتى الخوف.
لذا آثرنا هنا أن نتكلم عن معنى الانفعال من وجهة نظر علم النفس . فالانفعال ليس هو المفردة السلبية الشائعة لدينا في المجتمع فقط ، بل هو أية حالة يشعر بها الفرد وتنبع من ذاته وتصحبها تغيرات فسلجية داخلية كسرعة ضربات القلب وسرعة التنفس أو التعرق ......إلخ ، كما قد تصحبها مظاهر خارجية تعرف بها وتعبر عنها ، فالفرح مثلاً إنفعال يتم التعبير عنه بابتسامة أو ربما ضحك إلا إن درجة الابتسامة أو الضحك وشدتهما تختلف حسب عوامل كثيرة ترتبط بالانسان المعني بها ومن ذلك درجة إستيعابه للحدث المفرح ونواتج تجاربه السابقة لاظهار تعبيرات الفرح ......إلخ ، كما وتختلف درجة الفرح أيضاً حسب أهمية الحدث بالنسبة للفرد وإرتباطه بما سيؤول عليه حاله من سعادة أو تحقيق أمنية معينة والتي بدورها أيضاً سترتبط طريقة التعبير عنها بدرجة وحجم هذه الأمنية ، فقد يبتسم الانسان لنجاح صديق عزيز عليه ( وحتى وإن كانت إبتسامته عريضة لذلك ) إلا إنه لايستطيع أن يمسك نفسه من إن يقفز فرحاً وأن يطلق بعض الأصوات المعبرة عن فرحة عند نجاحه هو (خصوصاً) إذا كان ميؤوساً منه ، وبصورة أوضح فلنتخيل إنساناً عراقياً يتابع مباراةً بكرة القدم بين منتخب (مصر) مثلاً وأحد الفرق غير العربية فعندما تحرز (مصر) هدفاً ربما سيصفق هذا الانسان فرحاً بهذا الهدف ، لكنه عندما يتابع مباراةً لمنتخب (العراق) وأية دولة أخرى ستراه يقفز فرحاً ويقبض أصابعه على راحة يده بكل قوة وقد يطلق الصرخات العالية التي يدلل بها على فرحه الغامر وعلى قوته المخزونة لديه وعلى إنه إبن هذا الفريق .
فالانفعال إذن يعتمد على درجة إدراك الفرد للأشياء المادية المحيطة به التي تحدد إنفعاله ، فالفرد قد يغضب أو يحس بالضيق عندما يرى حالة معينة ، بينما قد تكون هذه الحالة نفسها عند غيره مصدراً للفرح والسرور (وهذا مايحدث غالباً في الرياضة كفوز فريق وخسارة آخر) .
إن حياة الانسان تمتليء بمختلف الحالات الانفعالية مثل ( الفرح والحزن والندم والشك والقلق والكراهية والحب وغيرها ) والتي تختلف شدتها من فرد إلى آخر فقد نرى إنساناً يجهش بالبكاء لرؤية طفلٍ مصاب في حادثٍ ما في حين نرى آخر يكتفي بمجرد الاستياء ، وثالث قد لايكترث بالحادث مطلقاً . والانفعال (كما ذكرنا) حالة ترتبط بمتغيرات فسلجية مثل التغير في الدورة الدموية كسرعة وقوة النبض وغيرها ، كما إن هناك مظاهراً خارجية مصاحبة للانفعال كثيرة تدل عليه كالحركات التعبيرية للوجه التي تعبر عن حالات الفرح والخوف والغضب وغيرها والحركات التعبيرية لكل أجزاء الجسم فرفع القامة وإتساع الصدر يدل على الفخر وإنقباض الأيدي عند الغضب يدل عليه وإنحناء الرأس وإخفاء الوجه وغيرها تعبيرات عن حالات إنفعالية مختلفة ، وحتى التغيرات الصوتية تدل أيضاً على نوع الانفعال الذي يشعر به الانسان .
أخيراً لابد أن نسلط الضوء على حالات إنفعالية تميز بها الانسان العراقي الغيور ومنها حالتي ( التآزر ) و ( الحنين ) التي شاعت بشكلٍ ملفتٍ بين العراقيين الشرفاء الذين لم تلوث أفكارهم الأحقاد ولم تعمي بصائرهم تلون وسائل الاعداء ، فكم من عراقي ترقرق الدمع في عينيه حزناً وخجلاً لرؤية (إمرأة مسنة) تظهر على شاشة التلفاز لتنادي أهل الغيرة أن ينجدوها من مرارة العيش وثقله على كاهلها المتعب ، أو عند رؤيتهم لحادثٍ أودى بحياة أناسٍ أبرياء أو أصاب أطفالاً صغاراً بجراح . ومن أمثلة ذلك أذكر كم أحسست إن إنفعال العراقيين متشابهاً عندما ظهر من على شاشة التلفاز خبراً عن طفلةٍ عراقيةٍ تدعى ( ألفت ) التي ألفت القلوب وآزرتها بالتعاطف والانفعال مع معاناتها والتشوه الكبير الذي كان في وجهها وعدم قدرتها حتى على المشي بعد وصول عمرها إلى أكثر من (5) سنوات . كم أحسست بقشعريرة زارت جسدي تشابهت مع إنفعالاتٍ لصديقي الذي جالسته ونحن نتابع طفلةً عراقية ملؤها (الحنين والوفاء) تم تهجيرها قسراً من (بغداد) إلى (أنقرة) عانت من أثر إنتقال دراستها وصعوبة ذلك من إختلاف المفردات الدراسية وصعوبة العيش وقلقه ، إلا إنها وبكل إصرار نجحت ، وعندما أهدت نجاحها لم تهديه إلى أبٍ أو أم أو أخ إنما أهدت نجاحها إلى الوطن الذي أبعدوها عنه ، نعم أهدت نجاحها إلى ( العراق ). فأي إنفعال رائع هذا الذي عبرت عنه هذه الطفلة البريئة التي رضعت من حب هذا الوطن الحبيب .